الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

234

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأبعاد فأبعاد فلك الشمس تفوت أبعاد فلك القمر بمئات الملايين من الأميال ، حتى يلوح لنا حجم الشمس مقاربا لحجم القمر . فبين اللّه أنه نظم سير الشمس والقمر على نظام يستحيل معه اتصال إحدى الكرتين بالأخرى لشدة الأبعاد بين مداريهما . فمعنى : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ نفي انبغاء ذلك ، أي نفي تأتيه ، لأن انبغى مطاوع بغى الذي هو بمعنى طلب ، فانبغى يفيد أن الشيء طلب فحصل للذي طلبه ، يقال : بغاه فانبغى له ، فإثبات الانبغاء يفيد التمكن من الشيء فلا يقتضي وجوبا ، ونفي الانبغاء يفيد نفي إمكانه ولذلك يكنى به عن الشيء المحظور . يقال : لا ينبغي لك كذا ، ففرق ما بين قولك : ينبغي أن لا تفعل كذا ، وبين قولك : لا ينبغي لك أن تفعل كذا ، قال تعالى : قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ [ الفرقان : 18 ] وتقدم قوله تعالى : وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً في سورة مريم [ 92 ] ، ومنه قوله تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ يس : 69 ] في هذه السورة . والإدراك : اللحاق والوصول إلى البغية فقوله : أَنْ تُدْرِكَ فاعل يَنْبَغِي فأفاد الكلام نفي انبغاء إدراك الشمس القمر . والمعنى : نفي أن تصطدم الشمس بالقمر ، خلافا لما يبدو من قرب منازلهما فإن ذلك من المسامتة لا من الاقتراب . وصوغ هذا بصيغة الإخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي لإفادة تقوّي حكم النفي فذلك أبلغ في الانتفاء مما لو قيل : لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر . وافتتاح الجملة بحرف النفي قبل ذكر الفعل المنفي ليكون النفي متقررا في ذهن السامع أقوى مما لو قيل : الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر ، فكان في قوله : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ خصوصيتان . ولمّا ذكر الشمس والقمر وكانت الشمس مقارنة للنهار في مخيلات البشر ، وكان القمر مقارنا لليل ، وكان في نظام الليل والنهار منافع للناس اعترض بذكر نظام الشمس والقمر أثناء الاعتبار بنظام الليل والنهار . ومعنى : وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أن الليل ليس بمفلت للنهار ، فالسبق بمعنى التخلص والنجاة ، كقول مرة بن عدّاء الفقعسي : كأنّك لم تسبق من الدهر مرّة * إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب وقوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا في سورة العنكبوت